كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إن الله الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان، والذي يعلم فطرة هذا الإنسان!
وأخيرًا يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم- من قريب- في عالم المجهول المغيب؛ وهم عنه غافلون:
{وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم}..
فما يدريهم أن أجلهم قريب؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين؛ وهم عن غيب الله محجوبون؟ وهم في قبضته لا يفلتون؟
إن هذه اللسمة بالأجل المغيب- الذي قد يكون قد اقترب- لتهز القلب البشري هزة عميقة! لعله أن يستيقظ ويتفتح ويرى.. والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلبًا غافلًا.. ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر!
{فبأي حديث بعده يؤمنون}!
وما بعد هذه الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين..
إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية.. إنه لا يدع جانبًا واحدًا منها لا يخاطبه، ولا يدع وترًا منها واحدًا لا يوقع عليه؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله؛ ففي الطريق- وهو يهز الكيان البشري كله- يلسمه ويوقظه. إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق.. وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائمًا.. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقًا آخر. والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي، وخطاب الله لهذا الإنسان لا يتغير.. مهما تعلم ومهما تطور!..
وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب.. يقرر فيها سنة الله الجارية بالهدى والضلال؛ وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه؛ وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان. وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن؛ على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد؛ ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون}.
إن الذين يضلون، إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر. ومن يغفل عن النظر في آيات الله وتدبرها يضله الله؛ ومن يضله الله لا يهديه أحد من بعده:
{من يضلل الله فلا هادي له}..
ومن يكتب الله عليه الضلال- وفق سنته تلك- يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبدًا:
{ويذرهم في طغيانهم يعمهون}..
وما في تركهم في عماهم من ظلم، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم، وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود، وشهادة الأشياء- التي يوجههم إليها في الآية السابقة- وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة، وحيثما فتحت العين وقعت على آية، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به، لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء. فإذا عمه- أي عمي- عن هذا كله، ترك في عماه، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار:
{ويذرهم في طغيانهم يعمهون}..
هؤلاء الغافلون عما حولهم، العميُ عما يحيط بهم.. يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول. كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد!
{يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}..
لقد كانت عقيدة الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، تفاجئ المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة.. ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم عليه السلام وهو جد هؤلاء المشركين؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل. حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تمامًا من تصوراتهم، فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم. حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبًا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 7- 8].
ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها- كما هي وظيفة الأمة المسلمة- إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها.. فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا، وحدود هذه الأرض الصغيرة، لا يمكن أن ينشئ أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها!
إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور، وسعة في النفس، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة.. كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة، عن المضي في التبشير بالخير، وفعل الخير والقيادة إلى الخير، على الرغم من النتائج القريبة، والتضحيات الأليمة.. وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة..
والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس الإنسان، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك الحيوان! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة!
لذلك كله كان التوكيد شديدًا على عقيدة الآخرة في دين الله كله.. ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح... حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلًا.. وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني!
ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر:
{يسألونك عن الساعة أيان مرساها}.
إن الساعة غيب، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه.. ولكن المشركين يسألون الرسول عنها.. إما سؤال المختبر الممتحن! وإما سؤال المتعجب المستغرب! وإما سؤال المستهين المستهتر! {أيان مرساها}.. أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو؟!
والرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يدعي علم الغيب، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية، وأنه هو بشر لا يدعي شيئًا خارج بشريته ولا يتعدى حدودها، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء:
{قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو}.
فهو سبحانه مختص بعلمها، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها، ولا يكشف غيره عنها.
ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها، وإلى الشعور بهولها وضخامتها.
ألا وإن أمرها لعظيم، ألا وإن عبئها لثقيل. ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين. وهي- بعد ذلك- لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون:
{ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة}..
فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة؛ فلا ينفع معها الحذر، ولا تجدي عندها الحيطة، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها، وما لم يستعدوا لها، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية. وما يدري أحد متى تجيء، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع، وألا يضيع بعد ساعة، قد تفجؤه بعدها الساعة!
ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة.. إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم.
{يسألونك كأنك حفي عنها} أي كأنك دائم السؤال عنها! مكلف أن تكشف عن موعدها! ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه:
{قل إنما علمها عند الله}..
قد اختص سبحانه به؛ ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه.
{ولكن أكثر الناس لا يعلمون}..
وليس الأمر أمر الساعة وحده. إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب. لا يطلع على شيء منه إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء، في الوقت الذي يشاء.. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا.. فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم. وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم} والشاعر الذي يقول:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي! ** ومن أين والغايات بعد المذاهب

إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول. ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد، وأمام ستر الغيب المسدل، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب.
والرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو؛ وقربه من ربه هو قربه، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب، ولا يرى مآل أفعاله؛ ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيرًا أقدم، وإن رآها سوءًا أحجم. إنما هو يعمل، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}.
وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامي كل خصائص التجريد المطلق، من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمدًا رسول الله وحبيبه ومصطفاه- عليه صلوات الله وسلامه- فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدد وظيفته: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}..
والرسول صلى الله عليه وسلم نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين {يؤمنون} هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به. ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين..
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره، إلا لقوم يؤمنون. ولقد ورد عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن.. وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق، ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك، ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان.